الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
161
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
يهود « 1 » تكلم المنافقون ، واشتد على الناس البلاء ، بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر « 2 » ، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي « 3 » ، وهما قائدا غطفان « 4 » فأقطعهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فجرى بينهم وبينه الصّلح حتى كتبوا الكتاب ، ولم تقع الشهادة والصلح إلا المراوضة « 5 » في ذلك ففعلا ، فلما
--> ( 1 ) أخلت يهود : أي نقضت بنو قريظة وبنو قينقاع اليهود ، المعاهدة التي كانت معقودة بينهم وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم ودلت قريشا على عورات المسلمين ونقط الضعف فيهم . ( 2 ) عيينة ، بالتصغير ، ابن حذيفة بن بدر بن عمور بن جويه بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن ثعلبة بن فزارة الفزاري ثم من قيس عيلان ، وكان اسم عيينة حذيفة فأصابته لقوة فجحظت عيناه فسمي عيينة ويكنى أبا مالك ، كان أحد رؤوس الأحزاب وقد لعب دورا إيجابيا في الفترة التي كانت بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقريش ، وأغار على لقاح للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وقتل ابنا لبعض صحابة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم واستنقذ عشر لقاح ، وأفلت القوم وقتل حبيب بن عيينة وابن عمه مسعدة . أسلم عيينة قبل فتح مكة بيسير ، ونافق عيينة يوم الطائف ، وكان أحد المؤلفة قلوبهم فقد أعطاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك اليوم مائة من الإبل ، وأسر عجوزا يوم هوازن يلتمس بها الفداء فجاء ابنها فبذل كثيرا فتقاعد عنها عيينة ثم غاب عنه ونزله إلى خمسين ، فامتنع ثم نزل إلى أن بذل فيها عشرة من الإبل فغضب وامتنع ثم جاءه وقال : يا عم أطلقها وأشكرك ، قال : لا حاجة لي بمدحك ، ثم قال : ما رأيت كل يوم امرأ أنكد ، وأقبل يلوم نفسه ، فقال الفتى : أنت صنعت هذا ، عمدت إلى عجوز ، واللّه ما ثديها بناهد ولا بطنها بوالد ، ولا فودها ببارد ، ولا صاحبها بواجد ، فأخذتها من بين من ترى ، فقال : خذها لا بارك اللّه لك فيها ، قال الفتى : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد كسا السبي فأخطأها من بينهم ، فهلا كسوتها ، قال : لا واللّه ، فما فارقه حتى أخذ منه سحل ثوب ، ثم ولى الفتى وهو يقول : إنك لغير بصير بالفرص . وارتد عيينة حين ارتدت العرب ولحق بطليحة الأسدي فآمن به فلما هزم طليحة أخذ خالد بن الوليد عيينة فأوثقه وبعث به إلى أبي بكر . قال ابن عباس : فنظرت إليه والغلمان ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون : أي عدو اللّه كفرت بعد إيمانك ، فيقول : واللّه ما كنت آمنت ، فلما كلمه أبو بكر رجع إلى الإسلام ، فأمنه ، ثم عمى عيينة في إمرة عثمان ( تاريخ الإسلام ج 2 ص 49 ) . وكان عيينة يحمق ، وهو الذي قال عنه صلّى اللّه عليه وسلم « الأحمق المطاع في قومه » وسمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « غفار ومزينة وجهينة خير من الحليفين أسد وغطفان » فقال : واللّه لئن أكون في النار مع هؤلاء أحب إلي من أن أكون مع أولئك ( الاشتقاق ص 284 ) . ( 3 ) هو الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة الغطفاني ثم الذبياني ثم المري ، قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسلم وبعث معه رجلا من الأنصار إلى قومه ليسلموا ، فقتلوا الأنصاري ولم يستطع الحارث أن يمنع عنه ، وهو أحد رؤوس الأحزاب يوم الخندق ( أسد الغابة 1 : 343 ) . ( 4 ) غطفان : بالتحريك من الغطف ، وهو قلة شعر هدب العين ، سمي به أبو القبيلة غطفان بن سعد بن قيس عيلان « الإشتقاق ص 269 » . ( 5 ) المراوضة : من راوضه إذا داراه ، والمراوضة المكروهة في الأثر أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك وهي بيع المواصفة .